العيني
186
عمدة القاري
جميعاً ، كلهم حكوا عن النبي : ( لا ينكسفان ) ، بالكاف ، فسمي كسوف الشمس والقمر كسوفاً . قلت : أغفل حديث ابن مسعود من عند البخاري : لا ينكسفان . قوله : ( فصلى رسول ا ) أي : صلاة الكسوف . قوله : ( أريت ) ، بضم الهمزة وكسر الراء ، أي : بصرت النار في الصلاة . قوله : ( كاليوم ) ، الكاف للتشبيه بمعنى : مثل ، وهو صفة لقوله : ( منظراً ) ، وهو موضع النظر منصوب بقوله : ( لم أر ) . قوله : ( أفظع ) ، بالنصب صفة لقوله : ( منظراً ) ، وفيه حذف أيضاً وتقدير الكلام : فلم أر منظراً أفظع مثل منظر اليوم ، وأفظع من الفظيع ، وهو الشنيع الشديد ، والمجاوز للمقدار ، يقال : فظع الأمر بالضم ، فظاعة فهو فظيع أي : شديد شنيع جاوز المقدار . وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع ، وأفظع الرجل ، على ما لم يسم فاعله ، أي : نزل به أمر عظيم . فإن قلت : أفظع أفعل ، ولا يستعمل إلاَّ بمن ، قلت : أفظع هنا بمعنى فظيع ، فلا يحتاج إلى : من ، أو يكون على بابه ، وحذف منه من ، كما في ا أكبر ، أي : أكبر من كل شيء . قوله : ( قط ) ههنا لاستغراق زمان مضى فتختص بالنفي ، واشتقاقه من : قططته أي : قطعته ، فمعنى : ما فعلته قط ، ما فعلته فيما انقطع من عمري ، وهي بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات ، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين ، وقد تتبع قافه طاءه في الضم ، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو اسكانها ، وبنيت لتضمنها معنى : مذ ، وإلى إذ المعنى : مذ أن خلقت إلى الآن . وإنما بنيت على الحركة لئلا يلتقي ساكنان ، وعلى الضمة تشبيهاً بالغايات . ذكر ما يستنبط منه : فيه استحباب صلاة الكسوف . وفيه : أن النار مخلوفة اليوم وكذا الجنة ، إذ لا قائل بالفرق خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة . وفيه : من معجزات النبي ، رؤيته النار رأي عين حيث كشف ا تعالى عنه الحجب ، فرآها معاينة كما كشف ا له عن المسجد الأقصى . وفيه : على ما بوب البخاري عدم كراهة الصلاة إذا كانت بين يدي المصلي نار ولم يقصد به إلاَّ وجه ا تعالى . 25 ( ( بابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلاَةِ في المَقَابِرِ ) ) أي : هذا باب في بيان كراهية الصلاة في المقابر ، وفي بعض النسخ : كراهة الصلاة . الكراهة والكراهية كلاهما مصدران ، تقول : كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية ، فهو شيء : كريه ومكروه . وبين البابين تناسب من حيث الضد ، والمقابر جمع مقبرة ، بضم الباء ، هو المسموع ، والقياس فتح الباء . وفي ( شرح الهادي ) : إن ما جاء على : مفعلة بالضم يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له ، فإذا قالوا : المقبرة بالفتح أرادوا مكان الفعل ، وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها ، وكذلك : المشربة والمشربة ، والتأنيث في هذه الأسماء لإرادة البقعة ، أو للمبالغة ، ليدل على أن لها ثباتاً في أنفسها . 234 حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قال أخبرني نافِعٌ عنِ ابن عُمَرَ عنِ النبيِّ قال : اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ ولاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً . ( الحديث 234 طرفه في : 7811 ) . قيل : هذا الحديث لا يطابق الترجمة لأنها في كراهة الصلاة في المقابر ، والمراد من الحديث : أن لا تكونوا في بيوتكم كالأموات في القبور حيث انقطعت عنهم الأعمال ، وارتفعت عنهم التكاليف ، وهو غير متعرض لصلاة الأحياء في ظواهر المقابر ، ولهذا قال : لا تتخذوها قبوراً ، ولم يقل : مقابر . وقال الإسماعيلي : هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة في القبر لا في المقابر . وقال السفاقسي ما ملخصه : إن البخاري تأول هذا الحديث على منع الصلاة في المقابر ، والهذا ترجم به ، وليس كذلك لأن منع الصلاة في المقابر أو جوازها لا يفهم منه ، وقال بعضهم في رد ما قال الإسماعيلي . قلت : قد ورد بلفظ : المقابر ، كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) . انتهى . قلت : هذا عجيب ، كيف يقال : حديث يرويه غيره ، بأنه مطابق لما ترجم به ؟ وقال بعضهم أيضاً ، في رد ما قاله السفاقسي : إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق فسلم ، وإن أراد نفي ذلك مطلقاً فلا ، فقد قدمنا وجه استنباطه . انتهى . قلت : وجه استنباطه أنه قال : استنبط من قوله في الحديث : ( ولا تتخذوها قبوراً ) . أن القبور ليست بمحل للعبادة ، فتكون الصلاة فيها مكروهة ، وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك حديث أبي سعيد الخدري ، رضي ا عنه ، مرفوعاً : ( الأرض كلها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام ) . انتهى .